الكتابة عبر العصور

الكتابة عبر العصور

الكتابة عبر العصور

  1. ما قبل الكتابة

لو أن العالم لم يعرف الكتابة ، لما كانت هناك كتب أو مجلات أو رسائل ولما استطعنا أن نحدد مكان وجودنا بقراءة أسماء الشوارع أو أرقام البيوت ولكان علينا أن نتعلم تاريخنا وجغرافيتنا وعلومنا بطريقة شفوية .

        أن عالما على هذا النحو يبدو شديد الغرابة بالنسبة إلينا ، لان الكتابة تشكل جزأ كبيراً من حياتنا اليومية . ولكن الحقيقة هي أن الكتابة اختراع حديث نوعا مافي سياق تاريخ الإنسان . فهي لم تعرف قبل حوالي 5000 سنة . وفكرة الحروف الابجدية تزيد حداثة عن ذلك ، فلم يتم اكتشافها الا قبل حوالي 3700 سنة .

لنمعن النظر في طريقة كتابتنا هذه الأيام . فاللغة العربية تضم 28 من الأحرف الابجدية وكل حرف منها ماهو الا علامة على قصاصة من الورق . وهذه الاحرف ليست صوراً بل مجرد اشكال نستطيع أن نرسمها بواسطة القلم ويستطيع الآخرون التعرف عليها ، ولكل من هذه الاشكال أسم : أ ، ب ، ت ، ث .... وهكذا دواليلك

والأهم من ذلك هو أن كل شكل يعبر عن الصوت مثل ( باء ) كما في باب ، ( ثاء ) كما في ثور ، وفي بعض الاحيان تغيرت الطريقة التي تنطق بها اللغة مع مرور الزمن ، كما أننا لانستطيع دائما معرفة كيفية نطق الكلمة بمجرد رؤية حروفها ... ومع ذلك فمن حيث المبدأ يعتبر كل حرف من الابجدية وسيلة لتسجيل صوت.

        ثم نقوم بعد ذلك بتجميع الاحرف لتكوين الكلمات ، ونحن في اللغة العربية نغير اشكال الاحرف تبعا لموقعها في الكلمة ، ولاحاجة بنا لان نكتب اصوات أحرف العلة بل الاحرف الساكنة فقط ، كما نكتب الكلمات والجمل من اليمين إلى اليسار .

        أن هذا كله يبدو واضحاً جلياً ، ولكن الحقيقة هي أن بعض أنظمة الكتابة تكتب عموديا وليس أفقيا ويبدأ الكثير منها من اليسار باتجاه اليمين ، وفي الأحرف الابجدية المستعملة في أوروبا الغربية واميركا تكتب أحرف العلة والأحرف الساكنة على حد سواء ، والأحرف تتخذ شكلاً ثابتا ، ولاتتغير تبعا لموقعها في الكلمة ، ولكن أحرف الأبجدية هذه لاتضم نوعين من الأحرف ، الأول وهو حرف التاج ( الكبير ) الذي يستخدم في بداية أسماء الاشخاص والاماكن كما يستخدم في بدايات الجمل ، وبعض العبارات تكتب بأكملها بالأحرف الكبيرة كأسماء بعض السيارات مثلاً ، أما الاحرف العادية فتستخدم في كل مكان آخر .

        وعندما نقوم بالكتابة ، نحول الاصوات المنطوقة إلى كلمات على الورق ، ونحن نفعل ذلك لان الكتابة لها جميع المزايا على الحديث ، فما هي هذه المزايا ؟ بادئ ذي بدء ، الكتابة تعمر زمنا طويلاً فمن السهل أن ننسى شيئاً سمعنا احدهم يتفوه به ، ولكنه لو كان مكتوبا لاستطعنا قراءته مراراً وتكراراً ، ثانياً ، أن الكتابة يمكن أن تنتقل مسافة طويلة ، فنحن نبعث بالرسائل لالاف الاميال دون أن يكون علينا أن نقوم بالرحلة بأنفسنا أما الميزة الثالثة فهي أن الكتابة تساعدنا على ترتيب أفكارنا ، فنحن غالباً مانتكلم بطريقة مفككة نوعاً ما ولكننا عندما نكتب نحاول أن نعبر عن الافكار بنظام ووضوح .

        وبهذا نخلص الي القول أن الناس بحاجة للكتابة لكي يدونوا الافكار ويبعثوا بالرسائل .

        ولمساعداتهم في ترتيب أفكارهم ، والانسان على مر العصور كان بحاجة مستمرة للقيام بأعمال مختلفة ، فماذا كان يفعل قبل أكتشافه الكتابة ؟ لعلنا نستطيع أن نكون فكرة عن ذلك أذا بحثنا الطريقة التي كان الناس يعتمدها للاتصال في إفريقيا وأمريكا قبل وصول الأوربيين ونشرهم الكتابة فيهما ، فالأفارقة كانوا يستخدمون الطبول لنقل الرسائل لمئات الأميال عبر الأدغال الكثيفة ، والهنود الحمر كانوا يستخدمون إشارات الدخان كما درجوا على أن يتركوا رسائل باستعمال العصي وأوراق الشجر للمسافرين من بعدهم .

        وثمة وسائل للأتصال اعتمدت لفترات أطول ، واستخدمت هذه الوسائل لتدوين المعلومات ففي بيرو مثلاً استعمل الهنود عقد الحبال ، وكانوا يستخدمون هذه العقد لاحتساب الضرائب المدفوعة والقرارات الهامة التي اتخذها حكامها .

        ومن بين أهم الحاجات الضرورية حفظ الحسابات وتسجيل أسماء المالكين واملاكهم ، وقد توصل الناس ، في كثير من أرجاء العالم ، إلى ذلك عن طريق وضع علامات على العصي ، فثلاث علامات مثلاً يمكن أن تعني ثلاث بقرات ، ومازالت هذه العصي تستخدم في أجزاء من أستراليا وأفريقيا والصين ، وظل أحد المكاتب الحكومية في بريطانيا يستعملها حتى عام 1300 هـ .

        وقد استخدمت الاثلام في العصي أيضاً لارسال الرسائل ، وكان هذا النظام شائعاً بين سكان أستراليا ألاصليين ويبدو من المحتمل أنه كان شائعاً لفترة من الزمن في اسكندنافيا وإيطاليا وروسيا .

        ولكن جميع هذه الطرق لابلاغ الرسائل وتدوين المعلومات أبعد ماتكون عن الكتابة ويبدو محتملاً أن الكتابة لم تنشأ من واقع هذه الطرق بل مما أعتاده الإنسان من رسم للصور البسيطة ، والمؤكد أن الأسبان عندما وصلوا إلى أمريكا الوسطى ، وجدوا لدى الإزنكتيين نظاماً للأتصال متطورا تطورا جيدا يقوم على إستعمال الصور ، فقد كانت الصور ترسم على نوع من الورق ثم توضع في عصا مشعبة ، وكان الفنان يرافق حامل الرسائل أحياناً أذا ما ستدعت الحاجة الرد عليها

ويعتقد كثير من الناس أن الاحرف الابجدية كانت ذات يوم صوراً بسيطة جدا ، ويضربون مثلا على ذلك حرف ( A ) الانجليزي ، فاذا ماقلبته رأس على عقب بدأ شبيها ببقرة أو ثور ، وبهذا يرى الناس أ ن الكتابة بدأت بسيطة لبساطة صورة ثور ويعتقدون أن حرف ( M ) مستنبط من صورة متموجة تعبر عن الماء وأن حرف ( N ) مستوحى من صورة الأفعى .

        شرع الانسان في رسم الصور لأول مرة قبل الاف السنين ، وزين جدران الكهوف التي كان يعيش فيها بصور الاشياء التي كان يشاهدها من حوله ، وقد اكتشفت رسوم على جدران كهوف في فرنسا واسبانيا يعتقد أن عمرها يزيد على 20000 سنة .

        أننا لانعرف السبب الذي دفع سكان الكهوف إلى رسم تلك التصاوير ، فلعلهم كانوا يستمتعون بابداع الاشياء على غرار مايفعله فنانو هذه الإيام ، والامر الأكثر احتمالاً هو أنهم كانوا يرسمون التصاوير لاسباب مستمدة من إيمانهم بالخرافات ، فقد كانوا يعتقدون أن رسمهم صورة رجل يقوم بالصيد يجلب لهم جناح وبهذا فان الصور القديمة لم تكن من باب الكتابة لانها لم تكن تنطوي على رسالة ولكن منذ أن بدأ الانسان يرسم على الصخور ، قطع شوطاً كبيراً نحو استعمال الرسومات لتدوين المعلومات ، فإذا قام رجل بقتل ثلاثة ثيران ربما قام برسم صورة للإعلان عن ذلك للآخرين .

كانت أول القصص المصورة تعرض على شكل خريطة لم يكن الهدف منها روي القصص حسب تسلسل أحداثها  وفي مرحلة لاحقة ، لابد أن الانسان توصل إلى فكرة رواية القصص بترتيب الصور حسب وقوع الحوادث ، فعوضا عن الاكتفاء برسم رجل وهو يقتل أسدا مثلا ، راحوا يعرضون القصة في ثلاث صور تظهر الرجل وهو يغادر كهفه ثم يقتل الاسد ومن ثم وهو يحمله عائداً إلى بيته .

        وبعد ذلك ، طور الانسان فكرة رسم صورة مقابل كل كلمة ، وبهذا فإن واقعة قتل الرجل للأسد تعرض بصورة رجل وصورة حربة وصورة حيوان يقتل .

        كانت تلك خطوة مفيدة جداً فيما يتعلق بحفظ الحسابات ، فلو فرضنا أنه كان لأحدهم عشر بقرات ، كانت أبسط الأنظمة تعبر عن ذلك برسم صور عشر بقرات ، ولكن المرء يستطيع الآن يدون عشر نقط تليها صورة بقرة واحدة ، وبدأ الانسان يستقر تدريجيا ً وتعلم فلاحة الارض مما زاد من حاجته لسجلات مدونة ، فقد كان الناس بحاجة لتدوين عدد الحيوانات الموجودة في حوزتهم وما قاموا بشرائه وبيعه ، وشعروا أيضاً بالحاجة إلى تدون تقاليدهم وتاريخهم لكي يتذكرهم ابناؤهم واحفادهم من بعدهم .

        أن المشكلة في استعمال الرسومات في الرسائل المدونة تتمثل في استحالة تصوير كثير من الأشياء ، فقد تكون هذه الأشياء معقدة إلى درجة يستحيل معها رسمها أو تكوينها تجريدية مثل "الحب" و " الأمل" اللذين لانستطيع رؤيتها .

        ومع مرور الوقت استطاع الإنسان القديم أن يتغلب على هذه المشكلة بجعل الصورة تعبر عن أكثر من شئ واحد ، وبهذا صارت صورة العين تعني ( الرؤية ) أيضاً وفي الكتابة القديمة في الشرق الوسط ، كانت صورة "الشمس" تعني مشرق أو أبيض ويوم علاوة على الشمس نفسها ، أما في كتابة ( المايان) في أميركا الجنوبية فكان رمز الريح يعني أيضاً الحياة والتنفس .

        وبمرور الزمن أزدادت الصور بساطة مع استمرارها في تطوير معان جديدة ، فإذا كنت تريد أن تترك رسالة بسرعة فلن يكون لديك متسع من الوقت لاعداد رسم مفصل ، وبهذا تناقص الشبه بين الصور والاشياء التي تمثلها بالتدريج ، وأصبحت رموزا كتلك التي نستعملها في أشارات الطرق هذه الأيام .

        إليكم الأن بعض الرموز المستمدة من الكتابة السومرية القديم في الشرق الأوسط ؟ فهل تستطيعون تخمين معانيها ؟

فالرمز الأول يعني "جبل" والثاني يعني "ماء" والثالث يعني "نجم" والرابع يعني " طائر" ، ولكن هذه الرموز تنطوي على معاني مجردة أيضاً ، فصورة النجم تعني أيضاً "الجنة" و"السماء" وصورة الماء تعني "الذرة " و "الأب" و "الأبن" وبهذا ترون بأن الصور لم تكن مجرد رسومات لاشياء بل بعضها يمثل أشياء مختلفة جداً .

        وكانت هناك جميع أنواع الترابط الغريب ، فف كتابة أميركا الوسطى ، كان رأس الحشرة البشعة – الجرادة – يستخدم ليعبر عن "الأكل" وكانت صورة جلد النمر الأميركي الاستوائي المرقط تستخدم للتعبير عن "السماء في الليل " لان ذلك الجلد كان يحتوي على بقع شبيهة بالنجوم التي ترصع السماء ، وكانت هناك أشارات للاتجاهات الأربعة تمثل كل منها لونا من الالوان ايضا.

        وقد أضاف الناس إلى معاني الصور بطرق أخرى فبدأ وا باستعمال نفس الصورة لكلمتين لهما نفس الوقع الصوتي ، ونستطيع أن نكشف ذلك في كتب الكلمات المتقاطعة ( بالانجليزية ) حيث يعبرون عن عبارة ( أنا استطيع الرؤيا) مثلاً بصورة عين وعلبة وبحر لان لهذه الكلمات الثلاثة نفس وقع ( أنا أستطيع الرؤيا) بالإنجليزية .

        فمثلاً لو صورنا قاربا لفهمنا منه أحد أمرين ، فأما أن يعني "قارب" بمعنى سفينة صغيرة أو "قارب" بمعنى أوشك – وهكذا.

        وبهذا فاذا كانت هناك كلمتا  (sun) و (son ) فقد كان الناس يرسمون صورة واحدة للتعبير عن الكلمتين ، وفي الكتابة القديمة في الشرق الأوسط ، كانت علامة السهم تمثل كلمة ( تي ) أي ( السهم ) واستخدمت أيضاً للتعبير عن كلمة ( تي ) التي تعني "الحياة" ومثل ذلك ذهب التي يمكن أن تعني مضى ويمكن أن تعتبر مادة الذهب الثمينة .

        لقد كان ذلك تطوراً هاما ، ودل على أن الناس بدأ وا بالاستماع إلى وقع الكلمات ثم سرعان مابدأوا بتكوين كلمات طويلة مركبة من كلمات قصيرة ، فإذا كانت لديهم كلمة ( مشمس ) كانوا يعبرون عنها بصورة ( شمس ) وبصورة ركبة ، ومثال ذلك في اللغة العربية كلمية "مآذن" برسم "ماء" ثم "آذن" .

        وهكذا اطلعنا على أولى الخطوات نحو الكتابة ، واتغرقت هذه الخطوات بالنسبة لأوربا وآسيا 17000 سنة ، وخلاصة القول أن الانسان تطور في هذا المجال على النحو التالي :

  1. تصوير الكهوف للترفيه عن النفس.
  2. رواية القصص بالتسلسل .
  3. استعمال صورة واحدة للتعبير عن كل كلمة .
  4. تبسيط الصور لتسهيل كتابتها .
  5. أعطاء الصورة الواحدة عدة معان متشابهة .
  6. أستعمال صورة وأحدة للتعبير عن كلمتين لهما نفس الوقع الصوتي .

 

وثمة عامل آخر أتسم بالأهمية وهو الحاجة للتعبير عن ملكية شخص لشئ ما ، فلوكنت تملك شيئاً ثميناً كيف تستطيع أن تضع أسمك عليه بدون مقدرتك على الكتابة ؟

    وكان الحل استخدام الختم ، فقد وضع الناس علامات على الحجارة واخذوا يضغطونها على صلصال لين ، وثبتوا هذا الصلصال على رسائلهم وممتلكاتهم ، وكان كل حجر ينتج علامة مختلفة وبهذا تبدد الشك حول حيازة شخص لشئ ما

    وقد وصلت إلينا أختام كثيرة من سومر ، التي كانت دولة هامة في الشرق الأوسط ويرجع عهد بعضها إلى الفترة التي سبقت بداية الكتابة الصحيحة ، في حين يرجع بعضها الآخر إلى فترة لاحقة ولكن الناس لم يكونوا قد تعلموا الكتابة بعد وكانوا يستعملون أختامهم للتوقيع .

تنزيل المقالة :