رقمنة ملايين الكتب في الغرب وعدم التفريق بين الانترنت والمكتبة الرقمية في الشرق

رقمنة ملايين الكتب في الغرب وعدم التفريق بين الانترنت والمكتبة الرقمية في الشرق

رقمنة ملايين الكتب في الغرب

وعدم التفريق بين الانترنت والمكتبة الرقمية في الشرق

قراءة وتعليق سعد الزهري

رئيس مركز الاستشارات المعلوماتية والتدريب

Saad234@yahoo.com

 

أ- مدخل:

سعدت بالمشاركة في عدد من المؤتمرات العربية والإقليمية في مجالات المكتبات والمعلومات (أعلم) خلال الأشهر الماضية والتي نظمت على التوالي في الاسكندرية ثم في الحمامات بتونس من قبل الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات، ثم في العين بالأمارات العربية المتحدة من قبل فرع الخليج العربي لجمعية المكتبات المتخصصة. وخلال هذه اللقاءات العلمية والمهنية التقيت بالكثير من الأساتذة المرموقين الذين يصعب تجمعهم في مكان واحد بخلاف مثل هذه اللقاءات، التي تعد –بالإضافة لكونها موردا مهما للمتعلمين وطلاب العلم- وسيلة مثلى للالتقاء  والتعرف إلى العلماء والمتخصصين الذين تتلمذنا ولازلنا على كتبهم وبحوثهم. كما هي فرصة سانحة للتعرف إلى المتخصصين والمهنيين العرب والخليجيين الذين يشاركوننا هموم ومتاعب مهنتنا التي تواجه مصاعب ومشكلات كثيرة ومتعددة تقنية ومالية وإدارية، يضاف إليها ضعف شديد في عدد ومستويات زملاء المهنة في شتى أنحاء الوطن العربي. وقد قدمت أوراق علمية عديدة في هذه الملتقيات، كما تم تنظيم كثير من الندوات والجلسات العلمية التي حفلت بطروحات علمية متميزة، تلتها مناقشات ومداولات لم تخل من الاختلافات في وجهات النظر.  وسنعرض في هذه الوقفة إلى مسألتين –يرى الباحث- أنهما جديرتان بالمداولة والمناقشة، حيث سيعرض رؤاه الشخصيةحولهما، في مناقشة هادئة.

 

ب- خلفية عامة عن اللقاءات:

لقد حفلت هذه المؤتمرات واللقاءات العلمية بالكثير في موضوعاتها حيث تركزت البحوث في اللقاء الأول الذي نظمه أعلم في الأسكندرية نهاية ديسمبر الماضي حول "المكتبة العربية والتنمية الثقافية" والمتغيرات التي تواجهها مكتباتنا في ظل هذا التطور التقني المتسارع على مختلف الصعد.  وقد اشتملت جلساته على ورقات متعددة غطت محاوره التالية:

- دور أمين المكتبة في التنمية الثقافية

-  المكتبات ( الأكاديمية والعامة والمدرسية ... الخ ) ودورها في التنمية الثقافية

-  الثقافة العربية وكيف نحميها من الغزو الفكري

-  المكتبات العربية والتنمية الرقمية

- الإنترنت والتلاقح الثقافي

وقد خلص المشاركون للعديد من التوصيات العلمية (14توصية) من أهمها ضرورة تصويب الفوضى المعرفية التي خلفتها التكنولوجيا المعاصرة وبخاصة في مسائل إتاحة ما ينتافى والثقافة العربية والإسلامية[1]؛ وتسخير الإرادة العربية لردم الفجوة المتسعة مع العالم في مجال الإنترنت؛ والعمل على محو الأمية المعلوماتية[2].

 

كما تمحورت جلسات مؤتمر الحمامات الذي نظمه أعلم أيضا بداية شهر مارس المنصرم حول "التوثيق و المكتبات  من أجل مجتمع المعلومات والمعرفة" متفرعا إلى المحاور التالية:

  • الإطار النظري لـ "مجتمع المعلومات" ومناقشة قضاياه التاريخية والفكرية والأخلاقية؛
  • اقتصاديات مجتمع المعلومات وصناعة المحتوى؛

- السمات والسلوكيات الاجتماعية، تأهيل القوى البشرية ،توصيف المهن المهارات والخبرات الجديدة؛

  • تحديث الخدمات والإجراءات والتكنولوجيات الجديدة الرقمية والافتراضية؛
  • المكتبات ومرافق التوثيق ودورها في إرساء مجتمع المعرفة

وقد خلص المؤتمر إلى العديد من التوصيات من أهمها تشكيل لجنتين تهدف الأولى إلى نقل صورة واقعية لمجتمع المعلومات والمكتبات في الوطن العربي للمجتمع الدولي أثناء انعقاد المرحلة الثانية لمؤتمر القمة العالمية لمجتمع المعلومات المزمع عقده في تونس في نوفمبر 2005؛ فيما تهتم الثانية بدراسة واقع مكتبات العراق وسبل تطويرها. أما التوصيات العلمية فتشمل دراسة البيانات الرسمية والمبادرات الصادرة عن الإفلا استعدادا لتعريبها والعمل على تطبيقها؛ ووضع مجموعة من المؤشرات المتصلة بالمكتبات والمعلومات والعمل على إدراجها ضمن المؤشرات العالمية لقياس التقدم في مجتمع المعلومات[3].

 

أما فرع الخليج العربي لجمعية المكتبات المتخصصة فقد أقام مؤتمره الحادي عشر في مدينة العين حول مد جسور "التعاون" بين مكتبات الخليج حيث خلص المؤتمر إلى عدد من التوصيات منها تفعيل خطوات التعاون بين المكتبات الخليجة ومباركة قيام اتحاد تعاوني بين ثلاث مكتبات أماراتية مع التوصية بالاسهام في جهود مماثلة في دول الخليج. وبرغم الروح الأكاديمية التي سادت الوراق، فقد لفت انتباهي أيضا أن الورقة الافتتاحية كانت "مجرد" استعراض من الباحث للجهود العربية في التاريخ الثقافي العالمي، مما ليس له صلة بموضوع المؤتمر.

 

1- ماهي المكتبة الرقمية؟

في الوقت الذي تتسارع الجهود في الغرب لرقمنة وإعادة تنظيم وتخزين المجموعات المكتبية –مع مراعات حقوق النشر والتأليف- ، لمست أن بعض المفاهيم "المغلوطة" أو/وغير الدقيقة عن المكتبات الرقمية لا زالت رائجة بين بعض المتخصصين للأسف. ولو أن هذه المعلومات تتناقل بين عامة الناس لكان الأمر أهون بكثير، لكنني فوجئت أن بعضها يطرح على منابر علمية في هذه الملتقيات السالفة الذكر، وهو المر الذي ينبىء أن بعض المنتمين للمهنة لا زالوا بعيدين عن تقنيات المعلومات التي أصبحت جزءا أساسيا في حياة مرافق المعلومات المختلفة[4]. بيد أن أكثر ما لفت انتباهي أن محاضرين في الأسكندرية والحمامات، كل منهما على حدة، كان يقدم رؤاه وانطباعاته بعيداً عن الواقع الذي نعيشه.  شخصيا، لا يضرني أن يخلص باحث إلى نتيجة تخالف قناعاتي إذا عمل على تحقيق منهج بحث علمي معتمد. لكن المستغرب في هاتين المداخلتين أنهما –مع البعد الجغرافي والزمني فيما بينهما- استرسلا في طرح انطباعات شخصية بعيدة عن الواقع من جهة، ولا هي نتيجة بحث علمي أجرياه.!

    ليعذرني القارئ العزيز في عدم ذكر هذين النموذجين بالاسم، لأننا لم نصل بعد إلى احترام الاختلاف بشكل حرفيّ ومهني وثقافي، حيث لازال النقد يعتبر "تعديا شخصيا"، وبخاصة أن هاتين المداخلتين لم يخرجا بعد للنور كمطبوع، الأمر الذي يتعذر معه العودة لما قالا من قبل القارىء الكريم. لكنني سأحاول أن أركز على الأفكار ومناقشتها بشكل علمي مستشهداً، كلما تطلب الأمر، ببحوث علمية منشورة.

1-1- المعلومات الرقمية غير موثقة؟

يتساءل كثير من الناس عن "ماهية المعلومات الرقمية" وعن مدى "مصداقيتها وموثوقيتها". وهذا لا شك سؤال محوري ومهم. لكن المتخصصين يدركون اليوم أن "الرقمية" ماهي إلا شكل تقدم عليه أو من خلاله المعلومات. وهذا الشكل –مثله مثل الشكل التقليدي الورقي- تعتمد المصداقية فيه على منتجي المعلومة. بمعنى آخر، نحتاج إلى توضيح مفهوم الرقمية هنا، وبالتالي إلى مسؤلية النشر.

1-2- الرقميةDigital  كشكل هي أحد نوعين:

= نوع من المعلومات أُنتج رقميا Born digitally مثل كثير من المعلومات التي تكتب على الحاسوب، ومن ثم تُنشر عبر وسيط إليكتروني ككتاب إليكتروني أو من خلال دورية إليكترونية أو بواسطة الإنترنت أو خلاف ذلك؛

= النوع الثاني يتمثل في تلك المعلومات التي يتم تحويلها إلى الرقمية من الأوعية التقليدية (الكتب الورقية، أو المايكروفيلم أو الفيش أو أي وسيط آخر) –بصرف النظر عن وسيلة التحويل سواء أكانت بالتصوير أو المسح الضوئي scanning أو بإعادة الإدخال- إلى شكل يمكن من خلاله قراؤتها والتعاطي معها والإفادة منها.

 

1-3- تطور مفهوم المكتبة الرقمية :

تعود قصة التفكير في إيجاد " مستودع " للمعرفة البشرية إلى ويلز ( 1938 Wells ) عندما أشار إلى فكرة " الموسوعة العالمية".  وهذه الفكرة دعت إلى العديد من المحاولات لتطوير مخزن عالمي للمعرفة، حيث لا أحد يستطيع أن يؤكد من هو أول من استخدم المكتبات الرقمية Digital Libraries كمصطلح.  لكن جذوره تعود إلى عام 1945م عندما كتب فانيفربوش (الذي كان مستشاراً للرئيسين الأمريكيين روزفلت وترومان) مقالة بعنوان "كما يمكن لنا أن نفكر" نشرها في مجلة "أتلانتك منثلي" تتبع فيها حركية ما أسماه بـ مامكس Memex، التي اشتقها من Memory Extender التي تمثل جزئية من الذاكرة الإنسانية. وبرغم أن بوش نفسه لم يكن مسانداً مطلقاً للتقنية الرقمية، إلا أن التطورات الكبيرة التي حصلت مؤخراً لحركية تخزين واسترجاع كميات هائلة من المعلومات العلمية والتقنية من على سطح المكتب اعتمدت على منجزات ذلك العصر.

وفي عام 1965، جاء ليكلايدر Licklider بمصطلح  "مكتبة المستقبل" الذي تضمن متطلبات وخطط لتطوير ما وصفه هو بـ"الأنظمة المدركة" Procognitive Systems التي تهدف إلى إعطاء المستفيد ذخيرة معرفية وكأنه القائد. بل إننا نجد أن ليكلايدر يذهب في وصفه لمكونات مكتبة المستقبل وكأنه يصف حالة الانترنت اليوم عندما "أكد أن من مميزات "النظام الادراكي" لمكتبة المستقبل ما يتمثل في الاتصالات والحاسبات مع الأسلاك التي تربط خزانة (الحاسوب) بشبكة المنافع الحسية".! ولا نذهب بعيداً إذا أكدنا مثل هذا المذهب لأن ليكلايد نفسه كان مديراً لأربا  ARPA الموزعة وكيفية تربيطها والتي انتجت فيما بعد برتوكول TCP/IP .

أما تيد نيلسون، الذي اخترع مصطلح hypertext  في السبعينيات، فقد بدأ بالفعل بناء مامكس في مشروع أسماه Project Xandu. لم تكن الحاسبات الصغيرة PCs وقتها قد ظهرت حيث كانت الحاسبات الكبيرة في أوجها. الشبكات كانت في بداياتها الأولية، وتخزين المعلومات الفنية والعلمية للاسترجاع كان في مراحل التأكد من النجاح. حتى جاءت الثمانينات فاستطاعت المكتبات أن تضع فهارسها الآلية على الانترنت (تهيئة الدخول عن بعد بواسطة تيلينت) عندما أسماها البعض "بالمكتبات الافتراضية" وهو المصطلح الذي تداخل كثيراً مع مصطلح "المكتبات الرقمية"، برغم أن تلك الجهود كانت منصبة لتهيئة الوصول للمعلومات. واستمر الحال زهاء عشر سنوات حتى شرعت المكتبات فعلياً في بذل الجهود لإتاحة ما تستطيع من مجموعاتها "بالكامل" على الشبكة العنكبوتية. ولهذا فإن البعض يرى أن مصطلح "المكتبات الافتراضية" يعتبر "سلفاً" Predecessor لمصطلح "المكتبات الرقمية"، لكن الواضح أن شهرة الأخير مستمدة من "مسمى" التقنية المستخدمة حالياً مثل التلفزيون والهاتف وما إلى ذلك، التي ساعدت في زيادة شهرة المصطلح، وأيضاً التأطير الذي حظي به المصطلح جراء اعتماد مكتبة الكونجرس له في قائمة رؤوس موضوعاتها.

ومع الاستخدام المتنامي للانترنت، وبخاصة بعد ظهور النسيج العنكبوتي العالمي www بجهود متكاتفة، أصبح المستفيدون يطالبون – وبإلحاح – بالمعلومات المرقمنة في كل الأنواع. وبهذا الاحساس أقدم بعض المتخصصين في الحاسوب (في أمريكا) بكتابة ورقة عن المكتبات الرقمية – لم يستخدموا اللفظة بشكل صريح ولو لمرة واحدة، وقدموها عام 1994م إلى مؤسسات داعمة للجامعات ونتج عن ذلك مبادرة المكتبات الرقمية والتي عرفت فيما بعد بـ   Digital Library Initiative 1  (DLI – 1). وهذا الدعم في حد ذاته عزز مصطلح المكتبات الرقمية وبخاصة أنها قدمت 24 مليون دولارا لهذه المبادرة. وفي عام 1998م أطلقت المبادرة الثانية بدعم فاق 55 مليون دولار، إضافة إلى العديد من الهبات لدعم مشروعات كبيرة مثل الذي قدم لدعم مشروع الذاكرة الأمريكية.

1-4- أنواع المكتبات الرقمية:

لقد تعرض للمكتبات الرقمية كثيرون بغية تعريفها والتفريق بينها وبين مكتبات تستخدم بعض النظم الالكترونية. وقد عرفتها جمعية المكتبات البحثية بأنها تتصف بكونها:

  • ليست وحدة مستقلة بذاتها؛
  • وأنها تعتمد على تقنية معينة لربط المصادر؛
  • وأن الارتباط فيها وبين خدمات المعلومات واضح وجلي؛
  • وأنها تهدف إلى تهيئة الوصول للمعلومات الرقمية من خلال الخدمات التي تقدمها؛ وأنها أخيرا
  • ليست محصورة في الوثاق فحسب، بل تتعداها لبقية الأشكال الرقمية التي لا يمكن أن تصدر أو توزع على شكل مطبوع[5].

ويمكن تصنيف المكتبات الرقمية تبعاً لنوعية المعلومات التي تهدف هي لاتاحتها وتبعاً لنوعية وشكل الوثائق التي تخزنها وتعرضها. فهناك مجموعات متعددة الأشكال، ومجموعات مصوّرة Image، ومجموعات تأخذ طابع الكتب، والمواد سريعة الزوال ومجموعات الدوريات وأخيراً ما يسمى بالبورتال Portal.

ونجد أن مشروع الذاكرة الأمريكية يمثل النوع الأول Multi-format والذي يعتبر أكبر مكتبة رقمية بما يفوق مائة مجموعة متخصصة بما يشمل العديد من الأشكال المختلفة منها النص والصور الفوتوغرافية، والتسجيلات والفيديو وعدد آخر من الأشكال القديمة.

أما مكتبة ترومان www.trumanlibrary.org/education فإنها تمثل النوع الثاني من المكتبات الرقمية، التي تعتمد على الصور Image format؛ فيما يمثل مشروع غوتنبرغ Gutenberg.net النوع الثاني من المكتبات الرقمية book collection التي تقدم طبعات متعددة (وربما مختلفة) عن أعمال شهيرة سابقة.

أما المجموعات سريعة الزوال أو المواد النفيسة Ephemeral Collections فإنها تتمثل في تلك المواد التي ربما لا يتاح المجال لمطالعتها نظراً لطبيعتها أو لحالتها. وتلجأ تلك المكتبات لإنتاج نسخاً للاستخدام حتى لا يتأثر الأصل. ويمثل هذا النوع مكتبة بودلين في جامعة أكسفورد www.bodley.ox.ac.uk/bollads/؛ وتمثل مجلة D-Lib الدوريات الإلكترونية www.dlib.org ؛  فيما يمثل موقع جمعية الحاسبات الأمريكية www.acm.org الجمعيات المهنية في تواصلها مع أعضائها والباحثين عن معلومات عنها. أما النوع الأخير وهو البورتال فيعتبر مكتبة للروابط المختلفة عن موضوع واحد ومثاله www.whistletest.missouri-edu/n.ratee/index.php[6].

 

1-5- أهداف المكتبات الرقمية:

رغم أن حقل المكتبات الرقمية - بمفهومها المتكامل على أرض الواقع - لم يتجاوز العقد من الزمان- إلا أنه حظي بنتاج فكري غزير، ووصل لمرحلة يمكن للمطلع أن يصفها" بالنضج الفكري "،  وبخاصة وهو يرى النتاج الذي تفرزه الدوريات المتخصصة ( الالكترونية على وجه الخصوص مثل D-lib ومجلة International Journal on Digital libraries ), كما قدم كل من وليام آرمز( Arms 2000 ) وليسك      ( Lesk 1997  ) عرضين للمكتبات الرقمية في كتابين استخدما -منذ نشرهما- في المناهج الدراسية في هذا المجال،  حيث يُعد كتاب آرمز الأول من نوعه تعرض فيه لتاريخ ونشأة المكتبات الرقمية وحالتها الراهنة والبحوث الجارية في مجالها.  وتعرض في كتابه الذي تضمن أربعة عشر فصلا, إلى طبيعة المكتبات والتقنيات والناس, والإنترنت, والابتكارات والبحوث, ومسائل حقوق النشر واقتصاديات المكتبة الرقمية وواجهة المكتبة الرقمية وكيفية عملها وما إلى ذلك.

وفي هذا الإطار نشرت صن مايكروسيستم كتابا إرشاديا لمساعدة من يريد أن يخطط لإنشاء مكتبة رقمية, فيما نشرت دار نيل- شومان دليلا للمكتبيين لكيفية إعداد وتنفيذ إنشاء مكتبة افتراضية من تحرير فريد ريك ستيلو[7].  ومن ناحية الإنتاجية التقنية والتكنولوجية فقد واصلت شركة IBM إنتاج وتطوير المنتجات التجارية للمكتبات الرقمية منذ عام 1994. كما تزخر في ذات الوقت الانترنت بكم هائل من المعلومات حول هذا الميدان المعرفي (المكتبات الرقمية) كمجموعات الروابط التي تضمها قائمة D-lib Forum, وما تضمه قوائم بيرني صالون  Bernie Sloan[8]، وتشارليز دبليو بيلي Charles W. Bailey[9] وغير ذلك[10]

 

لقد أوجزت لجنة تنسيق Interagency  مبادرة المكتبات الرقمية أهداف المكتبة الرقمية فيما صاغته كرسالة للمكتبة الرقمية عندما أكدت أن "الهدف الواسع لمبادرة المكتبة الرقمية يكمن في تحسين سبل تجميع مصادر المعرفة وتخزينها وتنظيمها وإتاحة استخدامها بشكل واسع في مختلف أشكالها الالكترونية".  وجاء هذا التعريف لهذه اللجنة في الرسالة المكتوبة للمكتبة الرقمية بعد متابعة اللجنة لستة مشروعات مدعومة من الحكومة الأمريكية.  وحتى تتضح أهداف هذه المكتبة الرقمية, لنطلع على خصائصها التالية:

  • حيادية الموقع: تمتاز المكتبة الرقمية بأنها متوفرة للمستفيد في أي وقت ومن أي مكان يتوفر فيه حاسوب مرتبط بشبكة. 
  • تهيئة الدخول المفتوح: لا يمكن أن نصف أي مجموعات معلوماتية رقمية بأنها مكتبة رقمية ما لم تكن مفتوحة أما للعامة أو لجمهورها التي تحدده هي. كما يتوجب توفر خصائص البحث والتصفح حتى تسمى مكتبة رقمية؛
  • مصادر معلومات متنوعة: تتميز المكتبة الرقمية باحتوائها على مصادر المعلومات المختلفة فلا تكتفي بالمعلومات الببليوجرافية أو النصية بل تشمل كل مكونات المعلومات ومصادرها على اختلاف أشكالها؛
  • المشاركة في المصادر Sharium  :  تتبنى المكتبات الرقمية تعزيز مفهوم المشاركة في المصادر الذي تؤمن به أيضا المكتبات التقليدية. 
  • المعومات الحديثة: لا فرق بين إنتاج المعلومة وإتاحتها في المكتبة الرقمية, ولذلك فإن المعلومات حديثة جداً Up To Date .
  • دائماً متوفرة: تقضي المكتبة الرقمية على مشكلات" ساعات العمل" التي تؤرق المكتبيين التقليديين والمستفيدين التقليديين على حد سواء وذلك بتبنيها مفهوم 24-7, أي أربعة وعشرون ساعة يوميا – سبعة أيام في الأسبوع[11].

 

2-1- رقمنة ملايين الكتب

ليس خفيا على المتابعيين والمتخصصين في مجالات مرافق المعلومات وخدماتها ما عزمت عليه شركة قوقل الأمريكية التي وقعت مع مكتبات جامعات متشقن وستانفورد وهارفارد وأكسفورد بالإضافة لمكتبة نيويورك العامة[12] عقودا تقوم بموجبها الشركة المذكورة بمسح وتصوير مجموعات هذه المكتبات ضوئيا وإتاحتها مجانا للعامة (مع مراعاة حقوق النشر، بالتأكيد) مع تقديم نسخ من هذه السجلات لتلك المكتبات. وبهذا فيمكن لنا أن نتخيل ملايين الكتب متاحة مجانا على الإنترنت، في وقت يزعم بعض باحثينا عدم "مصداقية المعلومات الرقمية"[13]!.

2-2- طموحنا؟

يقول أحد الباحثين سالفي الذكر في مؤتمر الحمامات، أننا اليوم "نعيش طفرة معلوماتية كبيرة". ثم يتساءل :"هل كان طموحنا بهذا الشكل"؟ ثم يجيب نفسه: قطعا لا. ولي مع هذا الكلام وقفة علمية. فأنا أقول إن كان الباحث يتحدث بشكل انطباعي –كما ذكر في أول حديثه في الجلسة- فهذا يخالف العرف الذي نعيشه بحيث تُقبل الأوراق العلمية التي تعتمد منهجا علميا.

ولكن الباحث بعدها يشير إلى أنه اعتمد المنهج الوصفي في دراسته هذه، وبالتالي حُقّ لنا مناقشته على هذا النحو. الآن نعود لفحوى كلامه حيث أوافقه –بشكل انطباعي- أننا نعيش طفرة معلوماتية. لكن مسألة إن "طموحنا لم يكن بهذا الشكل"، فهذا يحتاج إلى بسط في القول بحيث نفصل فيه بما يتناسب وهذه الوقفة.  قد أوافق الباحث العزيز، وقد يوافقه خلق كثير، على الإدلاء بهكذا تصريح، وذلك من باب إبداء وجهة النظر "الانطباعية"، ولكن القطع بها يحتاج إلى تطبيق منهج علمي يؤكد هذا القول أو ينفيه. كما أن هناك مسألة أخرى، وهي من يحق له أن يطرح رأيا ولو "انطباعيا" في الملتقيات العلمية؟.

وليس من شك أن العلماء والباحثين والمفكرين هم أصحاب هذا الحق، ولذا فلقد ذكرنا أعلاه بعض رؤى فانيفر بوش وويلز وليكلايدر ونيلسن الذين كانت لهم تنبؤات وانطباعات تفوق في بعض الأحيان ما وصلنا إليه من تقدم (ولعل لهذا وقفة أخرى)، إذ لم ألحظ مما قدمه الباحث ما يدل على أنه درس –بشكل علمي- طموحات الباحثين والمهنيين قبل وبعد ثورة الانترنت، وفيما أوردنا من رؤى لبوش وليكلايدر ونيلسون وحتى قبلهم ويلز ردود على هذه النظرة الضعيفة التي لم تستطلع بشكل علمي تطلعات المفكرين من ذوي الؤى "العميقة".

 

2-3- موثوقية المكتبة الرقمية؟

أما المسألة المشتركة بين الباحثين فهي تساؤلهما الدائم الذي يميل إلى الشك في موثوقية المعلومات الرقمية[14]، وهو أمر يحتاج إلى بسط في القول في مكان وزمان آخرين، لكن إجمالا يجدر بنا توضيح عدد من المسائل في هذا الجانب:

  •  من موثوقية المؤلف صاحب مسؤولية التأليف، وهذه مسألة فيها نظر إن كنا ننظر للمعلومات التي تنشر على مواقع الانترنت المختلفة.
  • هل الانترنت –كما ظهر من طرح الباحثين الكيريمين- هي المكتبة الرقمية؟ والجواب قطعا لا. فالانترنت وسيلة وشبكة اتصال تتيح خاصية النشر الفردي والجماعي والمؤسسي. كما تتيح الاتصال بالمكتبات الرقمية، وهو الأمر الذي يجعل الكثيرين "يخلطون" بينها وبين الانترنت.
  •      أي البرامج التي تستخدم من أجل حماية "موثوقية" المواد المنشورة من التزييف الخارجي؟ فمن الواضح جليا أن شكل المعلومات على وورد أو html مثلا يتيح للفرد "الخارجي" التعديل في هذه المعلومات وربما قرصنتها، مالم تتخد وسائل حماية لازمة. لكن برنامجا مثل pdf يمكن الضمان من خلاله عدم تعديل أي جزئية منه أو طباعته أو جزء منه إلا كما يريدها المؤلف صاحب الصلاحية.

د-  أعيد الباحثين الجليلين ومن هو على شاكلتهما ممن يرى أن الانترنت هي المكتبة الرقمية لما طرحنا أعلاه في (1-4)، وكذلك زيارة مكتبات رقمية مثل إميرالد أو لايبررينت وخلافهما حتى يتبينوا الفروق الحقيقية بين الانترنت وبين هذه المكتبات الرقمية المذهلة.

 

الهوامش

 


[1] - لقد دار نقاش طويل حول هذه التوصية حيث يستغرب البعض أن يسعى المهنيون في مرافق المعلومات لتوصية تنادي بالحجر على بعض مصادر المعلومات، الأمر الذي يسهل استخدامه من قبل السلطات لأغراض سياسية.

[2] - للمزيد انظر تقرير عن المؤتمر صادر في:  نشرة جمعية المكتبات والمعلومات السعودية، ع1، مج11 (صفر 1426 الموافق مارس 2005). ص 6-7.

[3] - للمزيد انظر تقرير عن المؤتمر صادر في:  نشرة جمعية المكتبات والمعلومات السعودية، ع1، مج11 (صفر 1426 الموافق مارس 2005). ص 7-8.

[4] -  مرافق المعلومات مصطلح يشمل المكتبات ومراكز البحوث ومراكز امعلومات وغيركا من المؤسسات المعنية بحفظ وتنظيم وإتاحة المعلومات ويُشار لها بالإنجليزية بـ     .Information facilities 

[5] -Association Of Research Libraries Definition: Purpose of Digital Libraries (1995).

//sunsite.berkeley.edu/arl/definition.html (2/2/2001)

[6] - الزهري، سعد ( 1423 ).  المكتبات العربية نحو الرقمية. نشرة جمعية المكتبات والمعلومات السعودية، ع2 (شوال1423هـ- ديسمبر2002).

[7] - Stielow, Frerick (2001). Creating  A virtual Library: A How to do It manual for Libraries. New York ( London ) : Neal Schumann publishers, INC.  

[8] - http://www.lis.uiuc.edu/~b-sloan/bernie.htm   ( 9 مايو 2004   (شوهد في

[9] http://info.lib.uh.edu/sepb/sepb.html  (شوهد في 9 مايو 2004)

[10] - للمزيد انظر:

الزهري، سعد سعيد (1425). الخدمات المرجعية الالكترونية: ماهيتها وواقعها وكيفية استفادة المكتبات العربية منها. مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية، مج10، ع1 (رجب-ذوالحجة 1425 الموافق سبتمبر 04- فبراير 2005). ص 55-104.

[11] - Fox, Edward A. & Urs R. Shalini(2002). Digital Libraries. Annual Review of Information Science And Technology. Vol. 36. pp.503-589.

[12] -  CARLSON, SCOTT and JEFFREY R. YOUNG (2004). Google Will Digitize and Search Millions of Books From 5 Leading Research Libraries. The Chronicle of Higher Education, December 14. http://chronicle.com/free/2004/12/2004121401n.htm  (Seen at 12/15/2004).

[13] - MARKOFF, JOHN and EDWARD WYATT (2004).  Google Is Adding Major Libraries to Its Database. TECHNOLOGY ARTICLES, December 14.

http://www.nytimes.com/2004/12/14/technology/14google.html?ex=1104031278&ei=1&en=0eda152e87891ae8  (seen on 12/15.2004).

[14] - للمزيد: بيرمن، ديفيد( 1423). أصالة المصادر الرقمية  نحو بيان للمتطلبات في عملية البحث، إعداد ديفيد بيرمن وجينيفر ترانت، ترجمة: سعد الزهري. مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية.­ مج7 ، ع2 ( رجب / ذو الحجة 1422هـ، سبتمبر 2001م/ مارس 2002م) .­ ص 358 ­ 372.

 

 

تنزيل المقالة :